أبي طالب المكي

319

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

المفاصل ميراث حبس الريح . قال الشيخ أبو طالب : قرأت في الحكمة مدار صلاح الأمور في أربعة : الطعام لا يؤكل إلَّا على شهوة ، والمرأة لا تنظر إلَّا إلى زوجها ، والملك لا يصلحه إلَّا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلَّا العدل . وقيل لبعض حكماء الروم : أيّ وقت الطعام فيه أصلح فقال : إما لمن قدر فإذا جاع وإما لمن لم يقدر فإذا وجد . ويقال : إذا كثرت المقدرة نقصت الشهوة . وقال كسرى لجلسائه : أي خصلة في الإنسان أضرّ ؟ فقالوا : الفقر . فقال : البخل أشدّ من الفقر ، لأنّ الفقير لا يجد والبخيل يجد ولا يأكل . وقيل لرجل رؤي سمينا ما أسمنك ؟ فقال : أكل الحار وشرب القار والاتكاء على شمالي والأكل من غير مالي . وقيل لأخر رؤي حسن الجسم : ما أحسن جسمك ؟ قال : قلة الفكر وطول الدعة والنوم على الكمطة . وقيل لآخر رآه حكيم سمينا : أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك فما هي ؟ قال : آكل اللباب وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان . والعرب تقول : العاشية تهيج الآبية ، يعني أنّ الذي لا يشتهي الطعام إذا نظر إلى من يأكل هاجه ذلك على الأكل الذي يأباه لما رأى الآخر تعشى . وذكر الأصمعي أنّ بعض الحكماء أوصى ابنه فقال : يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك ، يعني تتغذى وكذلك يقال في تناول الشيء قبل الخروج إلى السوق وقبل لقاء الناس أنه أقلّ للشهوة في الأسواق وأقطع للطعام بلقاء الناس . وأنشد هلال بن مجشم شعرا : وأنّ قراب البطن يكفيك ملؤه * ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها وروي بعض الصوفية يمشي في السوق وهو يأكل وكان ممن يشار إليه قال : فقلت له : تأكل في السوق ؟ فقال : عافاك الله إذا جعت في السوق آكل في البيت . قلت فلو دخلت بعض المساجد ؟ فقال : أستحي منه أن أدخل بيته للأكل ، هذا لأنه رأى الأكل من أبواب الدنيا . فدخل في طريقها كما قيل : الأسواق موائد الآباق أبقوا من الخدمة فجلسوا في الأسواق . وفي خبر ابن عمر قال : كنا نأكل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام . وقال بعض أهل الطب : لحمية أحد العلَّتين . ويقال : الحمية للصحيح ضارة كما أنها للعليل نافعة ، والدواء إذا لم يجد ما يعمل فيه وجد الصحة فعمل فيها وأنشد بعض العرب شعرا : وربة حام كان للعبد علَّة * وعلَّة جرّ الداء حفظ التقلل وقال لقمان : من احتمى فهو على يقين من المكروه وفي شك مما يأكل من العوافي . وكان يقال : ليس الطبيب من أحمى الملوك ومنعهم من الشهوات ، إنما الطبيب من خلاهم وما يريدون . ثم دبر سياستهم على ذلك حتى تستقيم أجسادهم . وقال مدني